زيارة طحنون إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية … على وقع مُتغيِّرات المنطقة…
مرصد طه الأخباري، تتسارع التوقعات حول الأهداف والنتائج المرتقبة لزيارة مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد إلى طهران، في ظل إجماعٍ على أن متغيراً في المنطقة يحصل ربطاً بالمتغير الدولي الحاصل والامريكي تحديداً، في ظل إعادة التموضع، وتشكيل التحالفات.
وقال “منظّر السياسة الخارجية” في الإمارات ، مستشار رئيس الدولة للشؤون الخارجية، أنور قرقاش،”إن هناك عدم تَيَقُن بشأن مدى إلتزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة، ومخاوف من حربٍ باردة وشيكة بين واشنطن وبكين” مضيفاً “سنرى في الفترة المقبلة حقيقةَ ما سيحدُث فيما يتعلق بالوجود الأمريكي في غرب آسيا ولا أعتقد أننا نعرف بعد،
لكن أفغانستان كانت اختباراً جيداً بالتأكيد، وبكل صراحة كان اختباراً مقلقاً للغاية”.ليصل الى نتيجة مفادها، إن بلاده تحاول إدارة التنافس الدائر منذ فترة طويلة مع إيران وتركيا عن طريق الحوار لتجنب أي مواجهات جديدة قد تُشعِل المنطقة.
وعليه فإنه من خلال العنوان الوظيفي الامني لطحنون، يمكن أن نُدرِك البعد الأساسي للهدف من الزيارة الى طهران، التي لم تأت بمبادرة إماراتية، بل بدعوة رسمية وجهها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الأدميرال علي شمخاني. وجاءت التليبة كرد إيجابي من الإمارات.
وكانَ قد سبقَ هذه الدعوة، زيارة مساعد وزير الخارجية الإيراني علي باقر كني إلى أبو ظبي الشهر الماضي أعلن خلالها رغبة بلاده في “فتح صفحة جديدة” مع دولة الإمارات ودُوَل الجوار كافَة، ثم تَبِعها إتصال هاتفي من وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان بنظيره الإماراتي عبدالله بن زايد آل نهيان، تناولا خلاله العلاقات الثنائية والتعاون المشترك بين البلدين.
مستشار رئيس الإمارات أنور قرقاش رد على المبادرات الإيرانية بان بلاده “تريد العمل بجد من أجل تحسين العلاقات”.
لكن اي نوع من العلاقات؟
يرى البعض ان “العدو الاقتصادي الرئيسي” اليوم للامارات هوَ السعودية التي تعمل على تنفيذ مشروع 2030 لولي العهد محمد بن سلمان، الهادف الى الحلول مكان أبو ظبي اقتصاديا في المنطقة، وبالتالي اشترطت المملكة على الشركات الراغبة في الإستثمار على أراضيها ان لا يكون لها ايَة مقرات خارج المملكة. فضلا عن أن الميدان اليمني كشف عن عورات كثيرة في العلاقات بين الطرفين، انعكست مواجهات عسكرية بين ميليشياتِهِما على الأرض.
هذه المخاوف والمخاطر، شكلت حافزاً للإماراتيين لمراجعة سياساتهم في المنطقة منذ نحو ثلاث سنوات، فاسترجعت العلاقات مع “أنقره اردوغان العدو الاخواني الاول لأبو ظبي” واعادة فتح السفارة في سورية ومن ثم إيفاد وزير الخارجية لاحقاً ليلتقي الرئيس الأسد، إضافةً إلى توقيع اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني والمباشرة في التنفيذ،
لتصل الى فتح الحوار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وان بشكل “سلس”.
وبما أن المخاوف الأساسية من السعودية تأتي من البوابة الاقتصادية، فإن إيران لا تشكل خطراً مماثلاً للامارات، بل شريكاً اقتصادياِ كبيراِ. وهناك أكثر من ثمانية ألآف رجل أعمال إيراني في الإمارات مع نحو ستة ألآف شركة مسجَّلة، وفقاً لصحيفة إيران الرسمية، برأس مال يقدر بمئات المليارات من الدولارات.
إنَّ مستوى التبادل التجاري هذه السنة يشهد تنامياً مضطرداً بين البلدين، ويقدر أن تصل قيمته حتى نهاية العام إلى ما يقارب العشرين مليار دولار، كما يعمل الطرفان على رفعه إلى 30 مليار دولار حتى نهاية العام 2025.
وتعد الإمارات ثاني أكبر شريك تجاري لإيران بعد الصين، حسب التقديرات الرسمية لغرفة التجارة الايرانية، في ظل تسهيلات تقدمها حكومة أبوظبي لرجال الأعمال الإيرانيين، من خلال المصارف، وإصدار التأشيرات، والتسهيلات الجمركية وغيرها.
اذن، الايرانيون لا يشكلون تهديداً للإماراتيين على المستوى الاقتصادي، إنما هناك مخاوف امنية منهم بحسب تعبير قرقاش الذي قال قبل أيام قليلة، إن بلاده تشارك الدول العربية مخاوفها الإقليمية حول “السياسات والأنشطة الإيرانية في المنطقة” لكنها ترى أن “المواجهة ليست السبيل الأمثل للمضي قدماً في توسيع دائرة الخلافات”.
في المقابل، لدى الإيرانيين “مخاوف” ايضا، من تطبيع بعض الأنظمة العربية مع الكيان الصهيوني، وفتح أراضيها له، ليشكل هذا الأمر تهديدا لأمنها القومي ” المقدس والخط الأحمر” الذي إن تم المساس به، سوفَ يشعل المنطقة.
ورغم ذلك ، فان الايرانيين مستعدون لتبديد “مخاوف” جيرانهم، وقد قدموا سابقا وما زالوا الكثير من المبادرات لتبديدها، بينها “مبادرة هرمز للسلام” التي أطلقها الرئيس السابق حسن روحاني من على منبر الأمم المتحدة قبل سنوات قليلة، ومبادرة “توقيع معاهدة عدم اعتداء” التي طرحها وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف، لكن أجوبة عليها، لم تأت من الدول العربية بعد.
كذلك يقول البعض إن طهران توسطت لدى صنعاء، لعدم استهداف ابو ظبي ودبي بالصواريخ البالستية والمسيرات، وان كان هناك بعض آخر يقول أن الإمارات جنَّبَت نفسها الإستهداف، بتركيز حركتها الميدانية في الجنوب اليمني بعيداً عن الاحتكاك المباشر مع قوات صنعاء.
ويبدو ان الدافع الإماراتي للتلاقي هذه المرة، هو ما أشار اليه قرقاش من” أن هناك عدم تيَقُن بشأن مدى التزام الولايات المتحدة تجاه المنطقة”،لذا تقول مصادر متابعة، أن زيارة طحنون إلى إيران ليست الأولى، منذ خفضت الامارات العلاقات مع طهران عام 2016، بل سبقها زيارة سرية عشية انطلاق المناورات الإماراتية البحرينية الإسرائيلية الأمريكية في البحر الاحمر في 11 من الشهر الماضي، هبط خلالها في مطار بيام العسكري في كرج قرب طهران، وطمأن الإيرانيين الى أبعاد واهداف المناروات، وابلغهم ان بلاده “لن تسمح لاي جهة باستخدام اراضيها او سمائها او اجوائها، لاستهداف الجمهورية الإسلامية”. ولا يُعتقد ان زيارة طحنون ستكون الزيارة الإماراتية الاخيرة، بل على الأرجح أنه ستتبعها زيارات لمسؤولين كبار في الدولة قادم الأيام.
ويبدو أن الإمارات تسابق السعودية إلى الحوار مع جارتها الفارسية، بعد إن بدأت الرياض مفاوضاتها مع طهران، وهذا التسابق، ربما يعكس جدية وارادة اقليمية في ملء الفراغ في المنطقة الذي تخلفه الولايات المتحدة الامريكية المنسحبة شيئا فشيئا من الاقليم. وتدرك الأطراف المعنية ان أمامها ثلاثة خيارات إذا ما حصل الفراغ، الصِدام او التعايش مع الواقع المتوتر وغير المستقر او التفاهم، وكلا الخيارين الاوليين، ينعكسان سلبا على المنطقة، ويبقى الخيار الأفضل هو التفاهم والحوار.
ويمكن أن نستنتج من تصريحات مُنظِر السياسة الخارجية الإماراتية
أنور قرقاش أن الهدف الأكبر هو “تصفير المشاكل” مع الجوار وتوقيع اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني.
لا يجب المبالغة بالتفاؤل في التوقعات بنتائج زيارة طحنون الى طهران، بل يجب التواضع في التعاطي مع تأثيرها على واقع المنطقة، لأسباب كثيرة قد لا تتحكم بها الامارات لوحدها، ولوجود لاعبين اخرين مؤثرين، كالولايات المتححدة والسعودية ومجلس التعاون والكيان الصهيوني الرافض لاي تقارب بين دول الاقليم لإنعكاس ذلك عليه سلبيا، لا سيما وان قادة الكيان يعتبرون الإمارات، حليفا مناهضا للإتفاق النووي مع إيران.
والمتوقع من الزيارة، هو تعزيز التنسيق الأمني ، وتنظيم الخلافات وتحديد الأولويات، وتعهد الإماراتيين بعدم تحويل أرضهم مقراِ او منطلقا لأي تهديد ضد جيرانهم، أيضاً تنمية العلاقات الاقتصادية سيكون لها حصة الأسد من المحادثات.
د. حكم امهز



