في إيران.. طقوس قديمة خاصة بالسفر

مرصد طه الإخباري : لكل الأقوام على امتداد الأرض عادات وطقوس خاصة نشأت وتأثرت على مراحل زمنية طويلة بعوامل بيئية وتاريخية وثقافية ودينية، ولا يزال بعضها مستمرا، بينما اندثر بعضها وصار طي النسيان.

بوابة “دروازه قرآن” من أشهر البوابات التي كان يوضع المصحف الشريف أعلاها وتمر القافلة من تحتها (مواقع التواصل)

ومع توارث الأجيال انتقل إلينا الكثير من هذهالطقوس التي لا يمكننا تحديد مصدر بعضها، أو كيفية نشأتها وتداولها بين الناس. كما تغيرت الآراء مع تطور العلم وانتشار المعرفة حول بعض الطقوس، وصنفها العلم بأنها لا تتعدى كونها خرافات، في حين يعتبرها آخرون فولكلورا يحمل معاني جميلة في طياته.

وبسبب رقعتها الجغرافية الواسعة وتنوعها القومي والديني، نشأت في إيران -على مراحل زمنية طويلة- الكثير من الطقوس والمعتقدات التي أصبحت محفوظة في إطار الكتب التاريخية فقط، وبعضها لا يزال مستمرا حتى الآن كطقوس السفر مثلا.

ومن طقوس السفر المستمرة حتى يومنا لدى الإيرانيين، سكب الماء خلف المسافر ومروره تحت المصحف الشريف وحرق بذور الحرمل وطبخ الحساء بعد رحيل المسافر من البيت.

يقول محمد جعفر قنواتي الباحث في الأدب والثقافة الشعبية، والمحرر العلمي لموسوعة الفولكلور الإيراني في حديثه للجزيرة نت، “لم يكن السفر في الماضي هينا وبسيطا كما هو الحال اليوم، بل كان صعبا وخطيرا أحيانا، ويستمر أياما بل أشهرا حتى، كما كان أمن المسافر مهددا من قطاع الطرق أو غرق السفن”.

 من طقوس السفر عند الإيرانيين أن يقال للمسافر "راه سبيد" أي: طريقك منير (الصحافة الإيرانية)
من طقوس السفر عند الإيرانيين أن يقال للمسافر “راه سبيد” أي: طريقك منير (الصحافة الإيرانية)

“راه سبيد”
ولمواجهة هذه المحن كانت هناك بعض الطقوس التي يتوسل بها الأهالي لحماية مسافرهم في كل مناطق العالم، ومنها إيران. وبسبب التقدير الذي يوليه الإيرانيون للماء باعتباره مطهرا ومضيئا، استخدموه من خلال سكبه خلف المسافر بغية أن ينير طريقه فلا يواجه الظلمات أي الأزمات، ويقال للمسافر “راه سبيد” أي: طريقك منير.

ويشرح أستاذ التاريخ في جامعة “مشهد” نجم الدين جيلاني بأن عادة سكب الماء خلف المسافر يعود إلى فترة الساسانيين والعيلاميين حين كانت الجيوش تتجه مع دخولها الحرب إلى سكب الماء في أقرب نهر للاستعانة بآلهة الماء والحرب “آناهيتا” لتكون وصية لقواتهم، ورسخ ذلك اعتقادا بأن رش الماء خلف المسافر يحميه من المخاطر.

 سكب الماء خلف المسافر عادة قديمة لدى الإيرانيين (مواقع التواصل)
سكب الماء خلف المسافر عادة قديمة لدى الإيرانيين (مواقع التواصل)

حيلة الهرمزان
وفي رواية أخرى شائعة بين الإيرانيين عن سبب سكب الماء خلف المسافر، تعود إلى بداية دخول الإسلام إلى إيران (فارس)، حين تم اعتقال الهرمزان -أحد قادة الفرس في معركة القادسية- ونقله إلى المدينة المنورة ليحكم عليه الخليفة .

وبعد الحكم بقتله، طلب الهرمزان شرب الماء قبل موته، وعندما لُبّي طلبُه تردد في الشرب، فسأله الخليفة عن السبب فقال “أخاشى أن تقتلني وأنا أشرب الماء”، فأمّنه حتى يشرب، فسكب الماء على الأرض، ووفى الخليفة بوعده وأطلق سراحه، فاعتقد الإيرانيون مع الزمن أن سكب الماء يحمي المسافر من الخطر.

 عبور المسافر من تحت المصحف وسكب الماء خلفه من الطقوس المرتبطة بالسفر لدى الإيرانيين (مواقع التواصل)
عبور المسافر من تحت المصحف وسكب الماء خلفه من الطقوس المرتبطة بالسفر لدى الإيرانيين (مواقع التواصل)

العبور تحت المصحف
أما العبور تحت المصحف الشريف فهو اعتقاد آخر يقوم به المسافر قبل السفر، وانتشر هذا الطقس بعد دخول الإسلام إلى إيران واستمر حتى الآن. ووضع القدامى المصحف في أعلى نقطة في بوابة المدن كي تمر القافلة من تحتها بسلام. ومن أشهر هذه البوابات الموجودة حتى الآن “دروازه قرآن” في مدينة شيراز وسط إيران.

 حرق بذور الحرمل يستخدم للوقاية من العين والحسد ودرء الكوارث عند الإيرانيين (مواقع التواصل)
حرق بذور الحرمل يستخدم للوقاية من العين والحسد ودرء الكوارث عند الإيرانيين (مواقع التواصل)

حرق الحرمل وقاية من الحسد
ويعد حرق بذور الحرمل على الفحم تقليدا له مكانة خاصة في ثقافة الإيرانيين للوقاية من العين والحسد ودرء الكوارث والبلايا، ويستعينون به في الكثير من الأعياد والاحتفالات.

وبعد حرق الحرمل يحرك وعاء الفحم حول المسافر ويطوّق بدخانه ليحول فاصلا بين المسافر والحساد والمشاكل حسب الاعتقاد، وليحمي طريقه من المخاطر والكوارث.

هدايا للمسافر
كما يقدمون للمسافر ما توفر من المال أو بعض المأكولات وتسمى “تو راهي” لتسد رمقه في سفره الطويل، ويرسل آخرون بعض الهدايا البسيطة إلى أهل المسافر بعد ذهابه وتسمى “جا خالي” لتحيي ذكره، بينما يجلب المسافر معه هدايا كعربون شكر لهم بعد مجيئه من مقصده.

 حساء "آش بشت با" يصنع بعد ذهاب المسافر ويوزع على الجيران والفقراء (مواقع التواصل)
حساء “آش بشت با” يصنع بعد ذهاب المسافر ويوزع على الجيران والفقراء (مواقع التواصل)

توزيع الحساء
ويعد تقليد إعداد الحساء المسمى “آش بشت با” في وعاء كبير بعد ذهاب المسافر من الطقوس التي يقوم بها الإيرانيون، حيث يجتمع الأهل والعائلة لطبخ الحساء وتوزيعه على الجيران والفقراء ليكون صدقة لمسافرهم ودفع البلاء عنه.

العادات والطقوس الموروثة عبر الأجيال في كل مجتمع هي مرآة تعكس معتقدات وثقافات الشعوب عبر أزمنة مختلفة، ورغم تهميشها في عصر التكنولوجيا والسرعة فإن لهذا التراث العريق محبين وعشاقا لا ينفكون عن الحفاظ عليه وتوريثه لأجيال لاحقة.

المصدر : مرصد طه الإخباري + الجزيرة

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق