من أرامكو إلى بغداد.. هل قررت السعودية أن تكون وقود الحرب الأمريكية ضد إيران؟

مٌرَصّدِ طُِه الُإٌخبّارَيَ، من أرامكو إلى بغداد.. هل قررت السعودية أن تكون وقود الحرب الأمريكية ضد إيران؟

 

لم تعد القضية مجرد غارة جوية على العراق، ولا مجرد رد عسكري على حادث أمني. ما جرى أخطر من ذلك بكثير، لأنه قد يكون إيذانًا بمرحلة جديدة تُدفع فيها السعودية لتتقدم الصفوف في مواجهة كان يُراد لها منذ البداية أن تكون حربًا عربية ضد إيران، بعد أن تعثرت الحرب الأمريكية في تحقيق أهدافها.

عندما بدأت الحرب الأمريكية على إيران، كان الرهان الأكبر هو إسقاط النظام الإسلامي في إيران وإعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة.

لكن ذلك الرهان سقط، وفشلت الضغوط العسكرية والسياسية في فرض النتائج التي أرادتها واشنطن. ومع تعثر هذا المسار، برز خيار آخر أكثر خطورة: نقل كلفة المواجهة إلى الحلفاء، وتحويل الدول العربية الخليجية إلى وقود لحرب لا تخدم مصالحها بقدر ما تخدم مصالح الآخرين.

في ذلك الوقت، امتنعت السعودية عن الانخراط المباشر في الحرب، إدراكًا منها أن أي مواجهة مع إيران لن تكون نزهة عسكرية، وأن أول من سيدفع الثمن هو الاقتصاد السعودي، ومنشآت النفط، والموانئ، والمطارات، والاستقرار الداخلي.

لكن ما الذي تغيّر اليوم؟ إن قصف العراق يثير تساؤلات مشروعة حول ما إذا كانت الرياض قد تخلت عن سياسة الحذر، واختارت أن تنتقل من موقع الداعم السياسي إلى موقع الشريك العسكري المباشر في مشروع التصعيد الإقليمي.

وإذا صح ذلك، فإن السعودية لا تكون قد استهدفت العراق فحسب، بل تكون قد فتحت بابًا واسعًا أمام حرب قد تمتد من الخليج إلى بلاد الشام، وتجعل المنطقة كلها رهينة لصراع لا يمكن لأحد التحكم بمساره أو بنتائجه.

إن العراق ليس دولة معادية للسعودية، ولا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وأي انتهاك لسيادته، مهما كانت مبرراته، يهدد بتحويله مرة أخرى إلى أرض مفتوحة للصراعات، بعد سنوات طويلة دفع فيها العراقيون أثمانًا باهظة من أمنهم واستقرارهم ودمائهم.

الأخطر من ذلك أن مثل هذه الخطوات قد تحقق، عن قصد أو من دونه، ما عجزت عنه الضغوط الأمريكية المباشرة: إشعال مواجهة عربية-إيرانية واسعة، بحيث تصبح العواصم العربية خطوطًا أمامية في حرب لا يعرف أحد أين تبدأ ولا أين تنتهي.

إن التاريخ يعلمنا أن القوى الكبرى كثيرًا ما تدير حروبها بأيدي الآخرين. فهي تبيع السلاح، وتدير المعارك من الخلف، بينما تتحول دول المنطقة إلى ساحات للدمار، وشعوبها إلى وقود للصراع.

ويبقى السؤال الذي لا تستطيع الرياض الهروب منه:

إذا كانت هذه الضربة هي بداية الانخراط في مشروع تصعيد أوسع، فمن سيدفع الثمن عندما تخرج الحرب عن السيطرة؟ وهل ستكون المنشآت النفطية والمدن الخليجية بمنأى عن الردود، أم أن المنطقة كلها ستدخل دوامة لا رابح فيها؟ إن الحكمة السياسية لا تُقاس بالقدرة على إطلاق الصواريخ، بل بالقدرة على منع اشتعال الحروب.

أما الزج بالعالم العربي في مواجهة إقليمية شاملة، فلن يكون انتصارًا لأحد، بل هدية مجانية للعدو الإسرائيلي ولكل من يريد استنزاف المنطقة وإبقائها غارقة في النزاعات.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله أي دولة عربية اليوم هو أن تتحول، بإرادتها أو تحت ضغط حلفائها، إلى رأس حربة في مشروع لا تملك قرار بدايته ولا قرار نهايته. فالحروب التي تبدأ بإملاءات الخارج، غالبًا ما تنتهي بكوارث يدفع ثمنها الداخل.

د. جواد عبد الوهاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى