لماذا تفشل سلطات البحرين العميلة في مواجهة الشعائر الحسينية؟

مرصد طه الإخباري، سياسات المنع لا تنتصر على الذاكرة: لماذا تفشل سلطات البحرين في مواجهة الشعائر الحسينية؟

هناك أخطاء سياسية، وهناك سياسات قصيرة النظر، ثم هناك ذلك النوع من السلوك الذي يصر على الاصطدام بالتاريخ نفسه.
وهذا بالضبط ما تفعله سلطات البحرين كلما اتخذت إجراءات تستهدف الشعائر الحسينية أو تضيق على ممارسيها.
فمن يقرأ التاريخ بعين مفتوحة يدرك أن قضية الإمام الحسين عليه السلام ليست ملفاً أمنياً يمكن إغلاقه، ولا ظاهرة موسمية يمكن احتواؤها، ولا قضية محلية يمكن عزلها عن محيطها.
إنها واحدة من أكثر القضايا رسوخاً واستمرارية في تاريخ البشرية، قضية نجت من السيف والسجن والقتل والتشريد والتضييق، بينما اختفى من حاولوا القضاء عليها وبقيت هي.
منذ ظهر عاشوراء قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، لم تتوقف محاولات طمس هذه القضية. تعاقبت عليها دول وإمبراطوريات وسلطات امتلكت من القوة ما لم تمتلكه أي سلطة معاصرة.
الدولة الأموية سخرت سلطانها وإعلامها وخطب منابرها لمحاصرة ذكر الإمام الحسين عليه السلام ، ثم جاءت الدولة العباسية بأساليبها المختلفة، وتلتها أنظمة وحكومات متعددة ظنت أن بإمكانها إخماد هذا الصوت المتجذر في ضمير الأمة. وكانت النتيجة واحدة في كل مرة: فشل السلطة وانتصار الذاكرة.
ما يحدث اليوم ليس جديداً، بل هو إعادة إنتاج لتجربة تاريخية مستهلكة. وكأن البعض لم يتعلم شيئاً من دروس القرون الماضية. وكأن هناك من يعتقد أن ما عجزت عنه دول كبرى يمكن أن تنجزه إجراءات إدارية أو حملات تضييق أو قرارات مؤقتة. السؤال الذي ينبغي أن يطرح بوضوح هو:
ماذا تريد السلطة أن تحقق؟ هل تعتقد حقاً أن التضييق على الشعائر سيؤدي إلى تراجعها؟ وهل تتصور أن الضغط على الممارسين سيدفع الناس إلى التخلي عن قناعاتهم؟
أم أنها تراهن على نتائج لم تتحقق قط في أي تجربة سابقة؟ إن أكثر ما يثير الاستغراب ليس الإجراءات نفسها، بل الإصرار على تكرار الفشل. فالعاقل حين يخسر التجربة مرة يبحث عن طريق آخر، أما أن يعاد إنتاج السياسات ذاتها رغم وضوح نتائجها فذلك يكشف أزمة في قراءة الواقع قبل أن يكشف أزمة في فهم التاريخ.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن الشعائر الحسينية لم تترسخ بسبب الرخاء فقط، بل ترسخت أيضاً في مواجهة التضييق.
وكلما تعرضت للاستهداف ازدادت حضوراً في الوعي العام. وكلما حاولت سلطة ما تقليص مساحتها، تحولت القضية إلى قضية رأي عام أوسع وأكثر تأثيراً. ولننظر إلى التجارب القريبة قبل البعيدة.
لقد استخدم المجرم صدام ، بكل ما امتلكه من أجهزة أمنية وقوة قمعية، أساليب من التضييق والملاحقة تفوق بمراحل ما يمكن أن تمارسه أي سلطة أخرى اليوم. ومع ذلك أين انتهى صدام؟ وأين انتهت سياساته؟ وأين ذهبت إجراءاته؟
لقد سقط النظام وتبددت أدواته، بينما بقي الإمام الحسين عليه السلام حاضراً في القلوب، وبقيت كربلاء قبلة للأحرار، وبقيت الشعائر أكثر قوة وانتشاراً مما كانت عليه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى:
السلطة تراهن على أدوات أثبت التاريخ محدوديتها، بينما تستهدف قضية أثبت التاريخ قدرتها الاستثنائية على البقاء. إنها مواجهة غير متكافئة بين قرار مؤقت وذاكرة عمرها قرون، بين سلطة عابرة ورمز خالد، بين إجراءات تنتهي بانتهاء أصحابها وقضية تستمد قوتها من وجدان الناس وإيمانهم.
إن احترام الشعائر الدينية ليس مجرد استحقاق قانوني أو حقوقي، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على إدارة التنوع واحترام الحريات العامة. أما تحويل الشعائر إلى ساحة مواجهة سياسية فلن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية، لأن التجارب كلها تؤكد أن الإكراه لا يصنع قناعة، وأن التضييق لا يمحو عقيدة، وأن القوة لا تستطيع الانتصار على الذاكرة. لقد رحل كثيرون ممن حاربوا الإمام الحسين عليه السلام ، وبقي الإمام الحسين عليه السلام.
وسقطت عروش ودول وأنظمة رفعت شعار المواجهة، وبقيت رايات عاشوراء مرفوعة. وهذه ليست خطابة عاطفية، بل خلاصة تاريخ طويل من الصراع بين السلطة والرمز. لذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في الشعائر الحسينية، بل في عقلية سياسية ما زالت تتوهم أن ما فشلت فيه قرون كاملة يمكن أن تنجح فيه إجراءات عابرة.
إنها معركة خاسرة منذ لحظتها الأولى، لأن الطرف المقابل ليس تنظيماً سياسياً يمكن حله، ولا مؤسسة يمكن إغلاقها، بل قضية متجذرة في الضمير الإنساني، وقيمة أخلاقية تجاوزت حدود الجغرافيا والطائفة والزمن.

أما النتيجة النهائية التي يؤكدها التاريخ مرة بعد أخرى، فهي أن الإمام الحسين عيه السلام لا يحتاج إلى من يمنحه البقاء، لأن البقاء كان دائماً من نصيبه. والذي يحتاج إلى مراجعة حساباته هو كل من يصر على تكرار أخطاء من سبقوه، ثم يتفاجأ عندما يحصد النتيجة نفسها.
✍️ د. جواد عبد الوهاب – مرصد طه الإخباري



